1

بوعدي…حين ينتصر وطن القلب

بوعدي…حين ينتصر وطن القلب

A- A+
  • بوعدي…حين ينتصر وطن القلب

    في كرة القدم كما في الحياة، هناك لحظات تتجاوز حدود النتيجة، وتصبح علامة على معنى أعمق. وما صنعه المنتخب المغربي لكرة القدم أمام البرازيل في مونديال 2026 كان أكبر من مجرد تعادل ثمين أمام أحد عمالقة اللعبة، لقد كان ترسيخا لقوة منتخب وطني استثنائي، ولم يكن مونديال قطر سوى ميلاد لشخصية كروية مغربية تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تفرض احترامها على العالم، والذين راهنوا على أن الأمر مجرد فلتة أو ضربة حظ، تيقنوا أن المنتخب الوطني يستحق هذا الإجماع العالمي من الحب، إلا الذين في قلوبهم زيغ أو سواد حقد لم يعد دفينا.
    لقد اعتادت البرازيل أن تدخل المباريات محمولة على صدى تاريخها، وعلى وقع خمسة كؤوس عالمية، وعلى سيرة أساطير صنعت مجد الكرة الجميلة. لكن التاريخ وحده لا يسجل الأهداف، ولا يمنح النقاط، على أرض الملعب لا يبقى إلا ما يملكه اللاعب من شجاعة وإيمان وقدرة على تحويل الحلم إلى واقع. وهذا بالضبط ما فعله أسود الأطلس.
    لقد فرض المنتخب المغربي نفسه، منذ أن أعطى الحكم صفارة انطلاق المباراة وكانوا أسياد الملعب بامتياز، لم تدخل عناصر النخبة الوطنية كفريق خائف يدافع عن نفسه أمام الإعصار البرازيلي، فالمغرب الذي أذهل العالم في قطر لم يعد ذلك المنتخب الذي يبحث عن المفاجأة، لقد أصبح رقماً ثابتاً في معادلة الكرة العالمية، منتخباً يملك مشروعاً وهوية وشخصية.
    وفي قلب هذا المشهد المضيء برز اسم شاب حمل معه قصة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر: أيوب بوعدي الذي لم يختر المنتخب الذي يمنحه الضوء الأسرع أو المال الأكثر، ولا القميص الذي يبدو أكثر إغراءً في عيون وكلاء الأعمال، بل اختار ما يسميه المغاربة ببساطة: وطن القلب. اختار القميص الذي حين يرتديه يحسسه أنه جزء من ذاكرته وعائلته وحكايات طفولته، الإحساس بالانتماء.
    ولهذا السبب بدت لمسات بوعدي الخرافية أمام البرازيل أكبر من مجرد مهارة تقنية. كانت تحمل ثقة لاعب يعرف أنه يلعب من أجل شيء أعمق من مباراة عابرة. في كل تحرك، وفي كل مراوغة، وفي كل قرار يهز القلوب داخل الملعب، كان ثمة شعور بأن هذا الجيل الجديد لا يحمل عقدة النقص أمام أحد.
    لقد كان الملك محمد السادس منذ خطابات الجلوس على العرش الأولى يعي معنى إيلاء الاهتمام الكبير للجالية المغربية بالخارج، وكانت له رؤية بعيدة وهو يطمح إلى أن يحتضن المغرب تظاهرة رياضية كونية من حجم كأس العالم لكرة القدم، وقد أوصلت استراتيجيته المتبصرة البلاد إلى ما ظل يطمح إليه بجدارة واستحقاق، وفهمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منذ سنوات أن بناء منتخب كبير يمر عبر اكتشاف المواهب، وعبر بناء جسر عاطفي وثقافي مع أبناء الجالية المنتشرين في العالم. واليوم نجني ثمار ذلك العمل. فالمغرب أصبح مشروعاً رياضياً جاذباً.
    ولعل أجمل ما في قصة بوعدي أنها تذكرنا بحقيقة بسيطة: الأوطان تنتصر بالحب. الحب الذي يجعل شاباً وُلد بعيداً عن أرض أجداده يشعر أن نبضه الحقيقي يوجد هنا، بين ألوان العلم المغربي وأهازيج الجماهير المغربية.
    أما مباراة البرازيل، فقد كانت رسالة إلى العالم بأن المغرب لم يعد يعيش على أمجاد الأمس القريب، إن أولاده يواصلون كتابة فصول جديدة من طموحه. ورسالة إلى الأجيال الصاعدة بأن الطريق إلى القمة يمر عبر الإيمان بالنفس.
    قد يتذكر الناس النتيجة، وقد ينسون تفاصيل كثيرة من المباراة، لكنهم سيتذكرون أن شاباً اسمه أيوب بوعدي اختار وطن القلب، وأن منتخباً اسمه المغرب وقف أمام البرازيل من دون رهبة، ولعب كما تلعب الأمم التي تعلم أن المستقبل أصبح ملكاً لها.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    بوعدي…حين ينتصر وطن القلب