1

ربحنا الرهان وأمامنا الكثير

ربحنا الرهان وأمامنا الكثير

A- A+
  • ربحنا الرهان وأمامنا الكثير

    مرت مشاركة الصحافة المغربية في تغطية نهائيات كأس العالم 2026 – بشهادة الصحافيين والمنابر الإعلامية الممثلة داخل البعثة- في ظروف مهنية وتنظيمية متميزة تليق بحجم أكبر تظاهرة كروية في العالم. ولم تكن هذه التجربة الأولى للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في مواكبة المشاركات الرياضية المغربية الكبرى، كما لم تكن، في جوهرها، مجرد رحلة مهنية تقتصر على التدبير التقني لتذاكر السفر والإقامة والتنقل بين المدن والملاعب، أو على تيسير الظروف التي تساعد الصحافيات والصحافيين على إنجاز تغطياتهم بصورة احترافية.
    لقد كانت التجربة، قبل ذلك وبعده، اختبارًا لطريقة تدبير التمثيلية الإعلامية الوطنية، وفرصة لقياس قدرة المؤسسات المهنية الجديدة على القطع مع أعطاب تراكمت على امتداد سنوات طويلة، حين كانت الاستفادة من حضور التظاهرات الرياضية الكبرى تبدو، في أحيان كثيرة، امتيازًا مغلقًا تتداول فرصه دوائر محدودة، أكثر مما كانت حقًّا مهنيًّا تنظمه معايير واضحة ومنصفة.
    تكتسب تجربة الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في مونديال 2026 معناها وتميزها وقيمتها النوعية.. في كون رهاننا لم يكن فقط أن تصل بعثة إعلامية مغربية إلى الولايات المتحدة والمكسيك، وإنما أن تصل وهي تعكس، قدر الإمكان، تنوع المشهد الصحافي الوطني، من خلال مشاركة مؤسسات إعلامية مختلفة، وأجيال مهنية متعددة، وصحافيات وصحافيين لم يكن الطريق مفتوحًا أمام معظمهم في تجارب سابقة.
    إن كسر الحواجز لا يعني توسيعا عدديا للمشاركين، بل هو مراجعة عميقة لفلسفة التمثيل الإعلامي نفسها. فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد المشاركين، وإنما بالمعايير التي يُختارون على أساسها، وبمدى قدرة المؤسسات المهنية على ضمان تكافؤ الفرص. هل تظل التظاهرات الكبرى مجالًا لإعادة إنتاج الأسماء والعلاقات نفسها، أم تتحول إلى فرصة لاكتشاف كفاءات جديدة وتمكينها من أداء دورها؟
    لقد ظل “الحرس القديم ” حاضرًا في تدبير جانب كبير من المشهد الإعلامي الرياضي، بعيدًا، في أحيان كثيرة، عن معايير الكفاءة والاستحقاق ومراكمة الخبرة المهنية الحقيقية. ولم تكن المشكلة يومًا في قدماء الصحافيين أو في القيمة التي تمثلها خبرتهم، وإنما في تحويل الأقدمية إلى آلية لإغلاق المجال، وفي جعل القرب من بعض مراكز النفوذ أكثر تأثيرًا من الجدارة المهنية. فثمة فرق بين الاعتراف بالتاريخ المهني، وهو واجب، وبين تحويل هذا التاريخ إلى ملكية خاصة تمنح أصحابها حقًّا دائمًا في الاستفادة.
    وقد ربحت الجمعية جزءًا مهمًّا من الرهان عندما نقلت تدبير البعثة من منطق الامتياز إلى منطق الخدمة المهنية، ومن علاقات الانتقاء الضيقة إلى تمثيلية أوسع، ومن الارتجال إلى التنظيم المؤسسي. وأكدت شهادات صحافيات وصحافيين شاركوا في التغطية أن الرحلات والحجوزات والتنقلات والإقامة جرى تدبيرها بطريقة أتاحت لهم التفرغ لمهمتهم الأصلية: مواكبة المنتخب الوطني، ونقل تفاصيل الحدث، وتقديم محتوى إعلامي يليق بانتظارات الجمهور المغربي.
    وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من طبيعة المونديال نفسه، باعتباره تظاهرة موزعة بين دول شاسعة الأطراف ومدن تفصل بينها آلاف الكيلومترات. وفي مثل هذه الظروف، لا تُختبر قدرة الصحافي وحده، وإنما تُختبر كذلك كفاءة الجهة التي تهيئ له شروط العمل. وقد جنّب التنظيم المحكم أعضاء البعثة الانشغال بالتفاصيل اللوجستيكية اليومية، ومكّنهم من تركيز جهودهم على التغطية والتحليل والإنتاج الإعلامي.
    إن اتساع المشاركة، وجودة الظروف التي اشتغل فيها الصحافيون، يؤكدان صحة الاختيار الذي تبنته الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين. فالمشاركة في البعثات الرياضية ليست توزيعًا لفرص السفر، والبعثة الإعلامية ليست مكافأة اجتماعية أو رحلة بروتوكولية، وإنما هي مسؤولية مهنية تقتضي الحضور والإنتاج والجودة واحترام أخلاقيات الصحافة. ولذلك اقترن الحق في المشاركة بواجب تقديم محتوى يليق بحجم الحدث وبانتظارات الجمهور. فالعدالة في إتاحة الفرص تعني تحرير الكفاءة من سطوة العلاقات المغلقة.
    إن ما تحقق في مونديال 2026 يبعث برسالة تتجاوز المجال الرياضي، ذلك أن إصلاح الإعلام لا يبدأ دائمًا من النصوص الكبرى والشعارات الثقيلة، بل قد ينطلق من طريقة إعداد لائحة، أو من وضوح معيار للاختيار، أو من فتح باب ظل موصدًا أمام وجوه مهنية تستحق الحضور. وقد برهنت الجمعية على أن التدبير الجماعي يستطيع النجاح متى توافرت الإرادة، ودقة التنظيم، والقدرة على الإنصات إلى المهنيين.
    لقد كسبت الجمعية رهان هذه المحطة، غير أن رهانها الأكبر يبدأ بعد عودتنا من المونديال: أن نجعل من الانفتاح تقليدًا مؤسسيًّا، والشفافية قاعدة ثابتة، والتعدد حقًّا مهنيًّا، يمكن القول اليوم بثقة كبيرة إن بابًا جديدًا قد فُتح أمام الإعلام المغربي، ليصبح أكثر عدلًا ومهنية، وأكثر قدرة على تمثيل تعدده الحقيقي .

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    إل إسبانيول:المغرب يتعامل مع الحرارة المفرطة باعتبارها تحديا حضريا وصحيا وطاقيا