1

ديما مغرب.. ولادة قوة كروية متكاملة

ديما مغرب.. ولادة قوة كروية متكاملة

A- A+
  • ديما مغرب.. ولادة قوة كروية متكاملة

    تأهل المنتخب المغربي إلى ثمن نهائي كأس العالم بعد إقصائه هولندا بركلات الترجيح في مباراة حماسية وحاسمة شدت أنفاس المغاربة عبر العالم، وجلبت تقدير المعلقين والمحللين على الأداء الخرافي للفريق الوطني وللجمهور اللاعب رقم 12 ، لقد بصم المنتخب المغربي على إعلان جديد بأن ما تحقق في مونديال قطر 2022 لم يكن استثناءً تاريخيًا، وإنما بداية مشروع كروي متكامل يزداد نضجًا وثقة وقدرة على المنافسة. فالفوز على منتخب بحجم هولندا، أحد أعمدة الكرة الأوروبية وصاحب ثلاث نهائيات في كأس العالم، يجب أن يُقرأ بمنطق التحول العميق الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة. وقد جاء التأهل بعد مباراة أسطورية انتهت بالتعادل (1-1) قبل أن يحسمها “أسود الأطلس” بركلات الترجيح، بعد أداء اتسم بالسيطرة وفرض الشخصية والقدرة على حسم النتيجة.
    إن أبرز ما يلفت الانتباه في المسار المغربي الحالي هو أن المنتخب لم يعد يعتمد على رد الفعل الفردي أو الدفاع البطولي كما حاول البعض اختزال إنجاز قطر، بقدر ما أصبح يمتلك شخصية هجومية واضحة، قادرة على الاستحواذ وصناعة الفرص وفرض الإيقاع حتى أمام مدارس كروية عريقة. لقد ظهر المنتخب المغربي أكثر نضجًا من منافسه، وأكثر قدرة على التحكم في نسق المباراة، وهو ما أكده حتى مدربه محمد وهبي بعد اللقاء، حين أشار إلى أن فريقه كان يستحق التأهل وأنه افتقد فقط بعض الهدوء أمام المرمى.
    ولعل أجمل ما في هذا المنتخب أنه لم يعد رهين موهبة لاعب واحد أو جيل استثنائي، بل أصبح منظومة متماسكة. فمن ياسين بونو، الذي يواصل تكريس نفسه أحد أفضل حراس المرمى في العالم، إلى خط دفاع اكتسب صلابة كبيرة، مرورًا بوسط ميدان يجمع بين القوة البدنية والقدرة على البناء والموهبة، وصولًا إلى خط هجوم سريع ومتنوع، لقد نجح المغرب في تحقيق المعادلة الأصعب: تحويل النجوم إلى فريق، وتحويل الفريق إلى شخصية كروية مستقلة.
    لقد أثبت بونو مرة أخرى أن الحراس الكبار لايصنعون الفارق فقط بالتصديات، وإنما أيضًا بزرع الطمأنينة في نفوس زملائهم. أما أشرف حكيمي وبقية عناصر الخط الخلفي فقد قدموا درسًا في الانضباط والقدرة على التحول السريع بين الدفاع والهجوم، بينما أظهر اللاعبون الشباب أنهم يحملون بفخر واعتزاز قميص المغرب، ومعه يحملون ثقافة الفوز نفسها التي ترسخت داخل المجموعة.
    ولم يقف الإنجاز المغربي عند حدود المستطيل الأخضر، بل امتد إلى المدرجات، حيث قدم الجمهور المغربي مرة أخرى نموذجًا عالميًا في التشجيع والانضباط والحضور الكثيف. فمنذ مونديال قطر، تحول الجمهور المغربي إلى أحد أبرز الفاعلين في صناعة الصورة العالمية للمنتخب الوطني، ولم يعد مجرد عنصر مساند، لقد أضحى جزءًا من هوية الفريق. فالأهازيج المغربية، والأعلام الحمراء التي تغطي المدرجات، والطاقة الإيجابية التي ينقلها المشجعون إلى اللاعبين، كلها عوامل صنعت ما يشبه أفضلية ميدانية حتى في ملاعب تبعد آلاف الكيلومترات عن المغرب.
    لقد نجح هذا الجمهور في بناء ما يمكن تسميته بـ”القوة الناعمة الرياضية” للمملكة. جمهور يحتفل دون استفزاز، ويدعم فريقه حتى النفس الأخير، ويترك في كل مدينة يزورها صورة حضارية مشرقة عن المغرب وشعبه. ولم يعد غريبًا أن تتحدث الصحافة العالمية بعد كل مباراة عن الحضور المغربي، باعتباره أحد أهم الظواهر الجماهيرية في كرة القدم الحديثة.
    وراء هذا النجاح أيضًا توجد دولة استثمرت طويلًا في البنية التحتية والتكوين، وأعادت بناء منظومة كرة القدم من القاعدة إلى القمة. فما نشاهده اليوم هو نتيجة استراتيجية ملكية بعيدة، ورجالات أبدعوا واجتهدوا، هذا النجاح أيضا هو نتيجة أكاديميات حديثة، واستقرار إداري، ورؤية استراتيجية جعلت المنتخب الأول يستفيد من تراكمات سنوات من العمل الهادئ.
    ويبقى الأهم أن هذا المنتخب لا يلعب بعقدة الاسم الكبير، فهو يدخل كل مباراة بعقلية الند، مؤمنًا بأن احترام المنافس لا يعني الخوف منه. وهذه ربما هي القيمة الأكبر التي اكتسبها اللاعب المغربي خلال العقد الأخير: الثقة بالنفس، والإيمان بأن الوصول إلى الأدوار المتقدمة أصبح هدفًا مشروعًا.
    إن المغرب اليوم يكتب صفحة جديدة في تاريخه الرياضي ويرسخ مكانته ضمن القوى الكروية الصاعدة عالميًا. وإذا استمرت هذه الروح، وهذا الانسجام، وهذا الالتفاف الجماهيري، فإن الحديث عن المنافسة على أبعد الأدوار لن يكون ضربا من التفاؤل، بل قراءة واقعية لمسار منتخب أصبح يفرض نفسه على العالم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    ساحة “بوجلود” بفاس.. عندما تتحول عراقة التاريخ إلى مدرج مونديالي صاخب